ابن حزم
332
رسائل ابن حزم الأندلسي
إلى الفيلسوف الأخلاقي ، ومن هذا الوضع نفسه ينظر إلى المجتمع ، ويهتم بالفرد اهتماماً بالغاً ، أما ابن خلدون فإنه عالم اجتماعي لا يعبر الفرد في فلسفته ومبادئه اهتماماً كبيراً . وابن حزم صاحب مذهب قائم على الاكتفاء بالنقل ، وهو يتخذ من هذا النقل شاهداً على صحة النبوات والشرائع والتواريخ ، بينما لا يرضى ابن خلدون بالنقل وحده في الخبر ، لأنه يتحمل الخطأ والدس والتشويه ، ومع كل ذلك فإن ابن حزم يظل مقدمة صالحة لذلك السموق الشامخ في الفكر الاسلامي كما يمثله ابن خلدون : أولا في تلك النظرة الإجلالية للتاريخ واعتباره علماً وثانياً في ذلك التقدير لمعنى التعاون في الحياة الاجتماعية ، ذلك المبدأ الذي تلقاه ابن حزم عن أستاذه ابن الكتاني ودان به في نظرته الاجتماعية ، فقد كان ابن حزم معجباً بقول ذلك الأستاذ " إن من العجب من يبقى في هذا العالم دون معاونة لنوعه على مصلحة ، أما يرى الحراث يحرث له ، والطحان يطحن له ، والنساج ينسج له وسائر الناس كل متول شغلا له فيه مصلحة وبه إليه ضرورة " وعلى بساطة هذا الكلام فإنه يجمل أن يكون أساساً لتحويل الناس في المغرب عن الاتكالية والخمول اللذين كانا يصحبان التصوف حيثما حل . ومن هذه النظرة الايجابية إلى التعاون الإنساني في المجتمع المغربي ، ومن تفشي الحياة الخاملة في طبقات الصوفية هنالك ، استمد ابن خلدون ، ولابد ، شيئاً من تفسيراته . ومن مغالاة أهل الظاهر وإغراقهم في الاعتماد على النقل تولد لديه ما يبصره بالطريقة المثلى لتصحيح الأخبار وتمحيصها ، فاهتدى إلى ضرورة المعرفة بالعمران البشري وقاده هذا إلى البحث عن مبادئ كامنة وراء ذلك العمران .